العلوم و الافادة في منتدى بوبكر س
مرحبا بكم في منتدى العلم و المعرفة الذي هو منبع استفادة ونرجو التسجيل لتمنح لكم صلاحيات في هذا المنتدى للتعامل معكم.
نرجو التسجيل وسلام عليكم

العلوم و الافادة في منتدى بوبكر س

منتدى لكل الجزائريين و العرب ساهمو في تطوير المنتدى
 
الرئيسيةالتسجيلدخول













شاطر | 
 

 المظاهرة والجنازة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
متميز
مساعد المدير
مساعد المدير


عدد المساهمات : 957
تاريخ التسجيل : 06/01/2010
العمر : 24
الموقع : www.saksakil20@gmail.com

مُساهمةموضوع: المظاهرة والجنازة   الأحد مارس 07, 2010 5:07 am

السلام عليكم

أخواني و أخواتي زوار و رواد و أعضاء و محبي منتدى الروايات ..

أسعد الله اوقاتكم بكل خير ..

في هذا الموضوع

الموضوع في الرد القادم

:

128

:

اخوكم حسن

المظاهرة والجنازة

أمي تتلمس رأسي بحنان، وتأخذه بكلتا يديها. وتقول: انهض يا عارف تأخر الوقت. انهض ستتأخر على دروسك.‏

أفرك عيوني، وأبصر أول ما أبصر صينية عليها براد شاي، وعرائس ملفوفة من الزعتر والزيت والخبز المرقوق. جلست في فراشي دقائق، ونهضت لأغسل وجهي. وأعود إلى فطوري، وأنا ألبس ثيابي من أجل المضي إلى المدرسة.‏

وتردف أمي قائلة: أصر لك زوادة، رغيف مع مكدوس من أجل الغذاء, فقلت: ألا ينعم علينا الله بفرخ دجاج. كل يوم مكدوس، مكدوس. فقالت نعمة من الله. (لئن شكرتم لأزيدنكم( بعض الناس لا يجدون خبزهم. فاشكر الله على الخبز واللقمة الطيبة من تحت هالديات.. أشكر الله دائماً وأحمده. لكني أخجل أمام زملائي في المدرسة أن يجدوا معي كل يوم زوادة مكدوس, ماذا حدث لموسم الجبنة واللبنة والبيض؟! هي سنة محل؟ فما في مؤونتنا هذا العام غير المكدوس؟! اسكت واتكل على الله. ليس المكدوس هو المهم, بل الأنفاس التي مرت عليه وصنعته. إنها تعطية نكهة أخرى وطعماً لذيذاً.‏

تمنيت لو كانت أمي ساحرة، تصفق بيديها فيمثل قدامي مائدة أنزلت علي من السماء, تحفل بما لذ وطاب خروف محشي، سمك مشوي، دجاج محمر، وأصناف الأشربة والحلوى من كل لون ونكهة.‏

البارحة رأيتها في الحلم تأخذ أشعة الشمس بيديها وتجد لها كنافة مجبولة بالعسل المشبك باللوز والصنوبر والفستق.‏

وعند الصباح أفقت على الزعتر والزيت والمكدوس..‏

وحلمت أني أقفز بخطوة واحدة من بيتي إلى المدرسة في الحريقة. كأنما ركب لي جناحان يخطفان المسافة ولكني في الصباح أسير ماشياً من الصالحية إلى سوق الحميدية ما يقارب الساعة حتى أصل إلى المدرسة.‏

أتعلق بالترام، أو أركب فيه، أتجنب قاطع التذاكر لأنه لا فلوس لدي، أتنقل من باب إلى باب، وكنت إذا تأخرت عنه يفلت صديقي ممدوح سنكة الترام فينقطع التيار الكهربائي فألحق أنا بالترام. وأركب فنصل إلى المرجة, نستقل الحافلة ونسرع صوب سوق الحميدية المخازن على جانبي السوق إلا أنك قبل أن تصل إليه تقطع السنجقدار حيث كانت البسطات جزادين فراشي، جرابات أمواس ساعات أغلبها مسروق أو مرهون أو مهرب.‏

وأنا في الطريق إليها لاحظت أن الجو مكفهر. المحلات العامة بعضها مفتوح، وبعضها مغلق على غير العادة، وهناك دوريات عسكرية في الشوارع الرئيسية للمدينة، كان السيد كويتو مديراً للشرطة، المدير والضباط من الفرنسيين. وأفراد البوليس من عامة الشعب. يؤمرون فيطيعون من أجل الخبز، وفرنسا تريد بهذا إدارة مباشرة للأمن قوى الدرك والشرطة وغيرها من الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية صارت بيد الإدارة الفرنسية مباشرة تأتمر بأمر المخابرات.‏

كويتو بثيابه العسكرية، وجزمته الجلدية اللماعة، وأزراره الصفر, ونظارته السوداء السميكة، يرج على الأرض رجاً من سيره المتغطرس. وبيده خيزرانة يحث بها الشرطة بلهجة آمرة لا تقبل التردد.‏

الدبابات تحرس مدخل سوق الحميدية، وتجبر التجار على فتح مخازنهم، وتمنع المتظاهرين من الوصول إلى السوق، ومداخله من جهة ساحة المرجة، والحريقة، وباب الجابية، تعج بالشرطة بلباسها الرسمي وأزرارها الصفر، والبوليس السري يغلي كالنحل بين يدي أمّارة المتنكرين بأثواب الفقراء والدراويش أو بزي التجار والصناع ليحصلوا على شاردة وواردة من أعمال الحركة الوطنية وأعضائها.‏

ونوع آخر من الشرطة يحمل التروس المعدنية والعصي الغليظة، لكنهم لا يلبسون ثياباً رسمية بل يرتدون بذلات مدنية مختلفة الأشكال والألوان ومتعددة الأنواع، لكنهم يربطون على سواعدهم ربطات كتب عليها شرطي، ودعتهم العامة بشرطي "أبو شرطوطة" هزءاً وسخرية. لأنهم من أبناء البلد الذين تستخدمهم أجهزة القمع الفرنسية، وتضعهم في طريق المتظاهرين ليصطدموا معهم، بهم وفخار يكسر فخاراً، والسلطات الأجنبية سالمة تأكل الكافيار وتشرب الشمبانيا، وتتبادل أنخاب الانتصارات على الشعب الأعزل إلا من الحجارة.‏

الحركة الوطنية قررت الإضراب اليوم، والسلطات تكره البلد على وضع مزيف.‏

صوت المتظاهرين يسبقهم من جهة الدرويشية وهم من عامة الشعب يأتون بصفوف متراصة ولكنها غير منظمة، على شكل عراضات، لكل حي عراضة، ولكل عراضة وصفة وصفة.‏

يرفعون شخصاً على الأكتاف، يقود العراضة بسرعة البديهة كما يتطلب الحال، أو بما يحفظه من وصفات و أشعار يرددها فترد عليه العراضة ما يقول أو ما يرتجله عريفها.‏

إرادتان تتمثل في البلد الواحدة: إرادة الشعب الحر الذي جعلته المعاهدات مستعبداً، وإرادة المستعمر الذي يفرض تفوقه وسلطته على الشعب الأعزل.‏

صفوف المتظاهرين تقترب من سوق الحميدية، لتذهب إلى الجامع الأموي، وتغلق السوق وتلتقي بالوفود الأخرى من كافة الأحياء.‏

إلا أن الدبابات تدب بين الدرويشية ومدخل سوق الحميدية ومن البعيد كان الصوت يهدر:‏

"ديغول خبر دولتك‏

باريز مربط خيلنا"‏

فيرد على ذلك الجميع في جوقة واحدة بالوصفة ذاتها:‏

ديغول خبر دولتك‏

باريز مربط خيلنا.‏

الصفوف تتقدم من جهة باب الجابية، ودبابة تزحف باتجاههم لتفرقهم وتبقيهم بعيداً عن مداخل السوق.‏

الرصاص يلعلع فوق رؤوسهم، بعضهم يسقط صريعاً مضرجاً بالدم على حجر الشارع الأسود البارد.‏

يتفرق الجمع بعد أن تفتح الدبابة ناراً عليهم، بعضهم يتجه صوب الدرويشية وبعضهم الآخر يتجه إلى الحريقة وآخرون إلى زقاق القنوات.‏

والشرطة ذات البزات الخاكية تحتمي برتل من شرط الشراطيط المتمرسة خلف بريق آلاتها المعدنية والقابضة على عصيها بقوة، لكنهم يتفادون الأحجار المنهمرة عليهم من المتظاهرين. يعرفون كيف يجعلون من الحجر سلاحاً بمقلاع أو بدون مقلاع. والحجر الواحد يكفي أن يعطل الشرطي, ويقضي على إرادته الغاشمة.‏

راشد المعلم كان يتقدم بعيداً عن رفاقه ويدنو من الدبابة. كانت أحجاره التي يقذفها تصدم فولاذ الدبابة وتطيح في اتجاه موارب ثم تقع على الأرض.‏

راشد لا يفكر بالموت، إنه يوجه رسالة الحياة إلى من في الدبابة ومن خلف الدبابة في غرف القيادة في المشيرية أن الشعب لا يرضى بغير الشمس والحرية.‏

النار وحدها ليست كافية لإحراق عزيمة راشد ومن معه. الدبابة غير قادرة على مصادرة حريته التي يشعر بها تتدفق في عروقه ودمه.‏

الموت ربما ينهي جسده. لكن روحه سوف تكون زوادة لرفاقه في صراعهم من أجل الحياة والحرية.‏

ماذا يفعل الحجر بالفولاذ؟ وهل تقاوم العين المخرز؟ راشد لا تهمه هذه الأسئلة، إنه مسكون برسالة الحرية، يهاجم الموت من أجل الحياة.‏

لم يتبقَّ أحجار في جيوبه. والطريق المغرزة والمسفلتة لا أحجار فيها لكي تستمر المحاجرة والذين يرجمون الحجارة يأتون بمؤونتهم منها معهم.‏

الفرنساوي يتبختر في الشوارع العامة. ويستعرض قواه في الساحات وميادين المدينة، لكنه لا يغامر بروحه في دواخل المدينة وأزقتها المتعرجة حيث تسكن إرادة المقاومة. المهم أن لا تصل هذه الإرادة إلى سوق الحميدية، ومنه إلى الجامع الأموي. وألا تتوحد إرادة مصممة لكل الحياء للمدينة الواحدة، والوطن الواحد. فلا يقدر على إسكاتها أو شل حيويتها جبروت الاستعمار والانتداب وترفع صوتها داوياً للعالم ما مات حق وراءه مطالب. وأن الحياة كلها وقفة عز فقط.‏

كان وراء راشد بخطوات متسعة فريق من الطلاب المتظاهرين يهتف:‏

يا ظلام السجن خيّم‏

إننا نهوى الظلاما‏

ليس بعد الظلم إلا‏

فجر ليل يتسامى‏

وفريق آخر من جهة باب الجابية بثياب شعبية زاهية وصرامي حمراء وغطرات رمادية مقصية يهتفون:‏

يا شرطي أبو شرطوطة‏

أمه وأخته شرموطة‏

وفريق آخر يهتف:‏

والشرطة عرصات‏

كويتو وكويتو محراك الششمة!!‏

راشد يتقدم كثيراً عن جماعته باتجاه الدبابة. لقد اشتهر راشد بخطبه النارية في المظاهرات، وبتصديه لقوات الاحتلال، وحين لمحه منشد العراضة يتصدى للدبابة الفرنسية هتف به والآخرون يرددون بعده:‏

يا راشد القوم يا راشد‏

يا راشد القوم من عنا‏

أسمر والبارود غنى‏

ويرد المتظاهرون في جوقة واحدة: "يا راشد القوم..". كان ماهراً يقذف الحجارة من المقلاع ورغم أن السيارات المصفحة والدبابات لا تنفع فيها الحجارة إلا أن العسكر الذين يتلطون خلفها يحسبون ألف حساب لمقلاع راشد.‏

وكان بين أفراد الشرطة أصحاب الشرطوطة فتحي أفندي ما غيره الذي كان يتجسس على الحي وكانت عينه على راشد الذي لم يجرؤ على البروز أمام السيارة المصفحة فظل متلطياً خلفها، لئلا يصيبه شيء.‏

وحين دنا من قوة العساكر دنواً خطراً، خرج من الأزقة الفرعية نفر من الشرطة السرية وتكاثروا عليه، واقتادوه وفتحي أفندي يضربه بعصاه متشفياً.‏

ولم يسمع براشد منذئذ.. بعضهم يقول إنه في سجن القلعة، وآخرون يقولون أنه في سجن المزة العسكرية. وفريق ثالث يؤكد أنه في تدمر. ورابعهم يقول أعدموا راشد دون محاكمة, حالما تمكنوا منه. وذهبوا به إلى السجن.. ولم يعرف عنه شيء أكيد حتى احتراق القلعة!!!‏

الحجارة تقلّ في أيدي المتظاهرين لم يبقَ إلا أحجار معدودة منها والدبابات تزحف جيئة وذهاباً بين مدخل الدرويشية حيث حبس وراءه متظاهرو الأحياء ومدخل الحريقة حيث حبست وراءه مظاهرة طلاب المدارس والمعاهد ومدخل سوق الحميدية حيث تمركزت قوة البوليس ودبابات العسكر قريباً من المشيرية في نهاية شارع النصر مقر القيادة الفرنسية والمفوض السامي.‏

كانت الأحجار تئز من البعيد، ويتساقط بعضها على معدن التروس التي يخبئ وراءها الشرط أو فولاذ الدبابة ويطيش أغلبها إلا القليل الذي لا يصيب مقتلاً ولا يردي قوة غاشمة، لكنه يعبر عن قوة مصممة وإرادة أكيدة, بنبل مطالب الحرية العادلة والاستقلال.‏

وكانت القوتان قوة الشعب المتظاهر، وقوة العسكر والبوليس يشدان حبل السيطرة على الموقف. كلاهما مصمم على الاحتفاظ بموقعه، وكلاهما يستند إلى شرعية الطبيعة بأن الغلبة والبقاء للأقوى.‏

بعض الحجارة تصل إلى مفرزة من العسكر يتصدرها المسيو كويتو رئيس الشرطة.‏

والمستر كويتو يشجع معاونيه، ويدفعهم للصمود بوجه المتظاهين ويدب على الأرض بجزمته العسكرية ويركل بها أحجار بعض المتظاهرين بجبروت وسخرية. لن يدعهم يمرون إلى السوق ومنه إلى المسجد ولو اضطره الأمر إلى قذفهم بالرصاص واللهب، إلا أنه يملك بالإضافة إلى قوته الغاشمة حساً سياسياً يمكنه من السيطرة على الموقف بالمراوغة آنا، والمماطلة أحياناً، والتسويف بالوعود التي يغدقها على زعماء المظاهرة من خلال بوليسه السري الذي يختلط بالمتظاهرين ويدعي أنه منهم.‏

فريق من المتظاهرين وظيفته هي أن يحمل الحجارة للذين يتقنون رميها كالسهام، أو كالرصاص وفريق آخر من الخلف يشجع بالهتافات والعراضات الشعبية التي تجعل الموت شراباً مستساغاً في سبيل الوطن.‏

والشرطة عرصات كويتو‏

وكويتو محراك الششمة!!‏

وكويتو يفهم ذلك كله، ويعرف أنه يمثل شرعية الانتداب وأن الكلام لا يفعل فعل الرصاص إلا إذا عبر عن إرادة شعبية منظمة، وفي تقديره أن هذه المظاهرات ليس لها إلا قوة الاحتجاج على الأمر الراهن.‏

أما تحقيق ما يطالب به المتظاهرون من رحيل القوة المنتدبة، وجلاء جيوشها عن أرض الوطن فلا تحققه إلا القوة في ساحة المعركة. وكان هذا الإدراك يعطي المسيو كويتو صورته الواثقة فينزل إلى ساحة المعركة يقابل التحدي بالتحدي, والمتظاهرون لا تلين لهم قناة، ولا تقهر لهم همة.‏

إلا أن الحجارة أخذت تنفد، والمتظاهرون بحاجة إليها.. وأخذ الاحتجاج والهتاف يهدر والرجم بالحجارة يتضاءل، ويبعد عن مقدمة المعركة بين الطرفين إلى الأطراف الهامشية.‏

فجأة يظهر في الطريق موكب جنازة يفصل بين الطرفين المتصارعين.‏

تتقدم الموكب حملة دفوف الآس. ثم يتلوهم حاملو الفروش. ثم موكب أهل الفقيد. ووراءه النعش وحملة النعش. ووراءه الآخذون بالأجر.‏

غير أن موكب الجنازة يعبر عن الهياج المكتوم أكثر مما يعبر عن الورع والتقوى، وأن شيخ الجنازة يتلفت يمنة ويسرة باضطراب وخشية, والقلق هو سمة موكب الجنازة لا الحزن.‏

والآخذون بالأجر لا يرين عليهم الصمت وليست خطاهم تعبر عن الأسى بقدر ما هي مصممة على مواجهة المفاجآت وحملة النعش يهتفون، والنعش يموج على وقع هتافهم باهتزازات عنيفة تعبر عن الرفض أكثر مما تعبر عن الحزن.‏

ـ لا إله إلا الله لا إله إلا الله‏

لا إله إلا الله والشهيد حبيب الله‏

فيرد فريق آخر: لا إله إلا الله لا إله إلا الله‏

لا إله إلا الله والقاتل عدو الله‏

وقد سيطر إيقاع الهتاف على الموقف واحتراماً للموت، لم تأت قوة البوليس بحركة وسمحت للموكب أن يمر إلى مؤخرتها.. وحين بلغ الموكب ذلك الموقع، ينكشف قناع الجنازة عن مظاهرة مصممة، يضع حملة النعش النعش على الأرض ويكشفون غطاءه فإذا هو ممتلئ بالحجارة المنتقاة للرجم، كما يضع حاملو الفروش فروشهم وفيها ما لذ وطاب، ومن الحجارة أيضاً.‏

وتمكن المتظاهرون بهذا أن يحصروا قوة البوليس بين فكي كماشة. وتنهمر الحجارة، ويئز أزيزها الساخن، مما يدعو الشرطة إلى التراجع إلى جوار المشيرية، ويتلطى كويتو بدبابة من دباباته كي ينجو من هذه المفاجأة المباغتة مما جعل الطريق سالكاً إلى سوق الحميدية. والطوق الذي ضربه البوليس تخلخل فتدفق المتظاهرون إلى سوق الحميدية صوب المسجد.. إلا أن بعضهم يتساقط على الرصيف أو في منتصف الطريق برصاص البوليس الطائش لكنهم يندفعون بأعداد كثيرة. لم يستطع معها البوليس أن يحول بينهم وبين الوصول إلى الجامع الأموي. كأنما معاوية على السدة، أو مروان يصلي في المحراب.‏

موكب من متظاهري طلاب مدرسة التجارة وغيرها من المدارس استطاع أن ينفذ من الطرق المؤدية إلى سوق الحميدية في اتجاه ساحة المرجة حيث تجمع طلاب مدارس التجهيز وغيرها من المدارس الثانوية وهم يهتفون بسقوط الاستعمار الفرنسي.‏

وتجمع عدد غفير منهم ملأ ساحة المرجة والمنافذ المؤدية إليها. وكونوا حلقات بعضها يأتي بعد بعض حول مساحة فارغة كانوا يلقون فيها كتبهم الفرنسية حتى تكون منها كوم كبير بللوه بالكاز وأعطوه كبريتة فاندلعت حريقة كبيرة.‏

أحسست بحرارة اللهب تلف وجهي. وفارقت وأنا مكتئب كتاب القراءة الفرنسي وألقيته مع من ألقى كتبه في حومة الكوم الذي يقدم قرباناً إلى اللهب في طقس غريب. إنهم يحرقون الثقافة احتجاجاً على الاستعمار.‏

وغيرت وزارة المعارف اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية كمن يستجير من الرمضاء بالنار. وكمن يجعل الدب حارساً على خلية العسل.‏

بعد أن حدثت الصحوة من الصدمة، استعاد النظام التعليمي في سوريا اللغة الفرنسية إلى جانب اللغة الإنجليزية فصار تعليمهما معاً إجبارياً. ثم ترك بعدئذ الخيار للطالب بين اللغتين الفرنسية والإنكليزية, وهكذا بعد أن كانت سوريا ضمن النفوذ الفرنسي أصبح يتقاسمها النفوذان الفرنسي والإنجليزي في حقل تعليم اللغة كما في السياسة والاقتصاد.‏

وصراع النفوذين لم يعرقل حركة التنمية في البلاد فحسب. بل مزق وحدتها الوطنية على مستوى الحكومة والأحزاب والجيش، والانقلابات التي أتت فيما بعد لم تكن غير مرآة تعكس تصارع هذين النفوذين على الساحة.‏

ومما عقد الوضع دخول النفوذ الأمريكي بدأً من نهاية الحرب الكونية الثانية إلى الواجهة ومعه نفوذ الهجرات الصهيونية وقيام دولة إسرائيل.‏

كانت ألسنة اللهيب تندفع الواحد تلو الآخر.. لا تستطيع العين أن تميز الكتاب المحروق من حيث المستوى والنوع. فالطلاب جميعاً يتسابقون بما يشبه الهستيريا الجماعية إلى التحقق من كتبهم الفرنسية التي تستحيل بومضة إلى ومضة في هذا الكوم المتعالي من اللهب.‏

ها هي بعض قصائد لافوتيتن الخرافية (LES FABLES) التي استقرت في الذاكرة كالجبنة والغراب "La FROMAGE ET LE CORBEAU" تستحيل إلى رماد.‏

وقصيدة الإناء المشعور، (LEVASE BRISE) وقصيدة الفيلة، (LES ELEPHENTS) وقصيدة الذئب لالفريد دوفيني (LE LOUP) التي لامست نبض قلب عارف وحركة ذائقته صوب مستويات من الجمال الشعري كما عند الذئب والرومانسيين دخلت في طقس اللهب واستحالت وميضاً تلعب به الريح ليعود إلى الروح الكوني الخفي من حيث انبثق عبر مخيلة شعراء أفذاذ. ليتنا اجتمعنا سوريين وفرنسيين في جمهورية الشعر لا المعتقلات والسجون.‏

هؤلاء الشعراء لم يتكهنوا أن هذا الجمال الذي كشفوا عنه اللثام سوف يكون قرباناً لطقس أسطوري تعبيراً عن احتجاج الطلاب وهم الفئة الواعية من الأمة على سياسة الإدارة الفرنسية وأخطاء قياداتها المنقسمة بين فيشيين وديغوليين الذين يشددون قبضتهم على سوريا المستعمرة بعد أن فقدوا عاصمتهم وأرض وطنهم الصلبة فكانت الأراضي المستعمرة من وقود معاركهم مع النازية المحتلة، يقاومون الاحتلال بالاحتلال، ويسوقون الحرية في فرنسا ويمنعونها في سوريا.‏

دم الثوار تعرفه فرنسا‏

وتعلم أنه نور وحق.‏

حين خمدت حريقة الكتب الفرنسية المرتجلة، توجه المتظاهرون إلى طريق الصالحية وشارع البرلمان ليكملوا تظاهرهم واحتجاجاتهم. وفي الطريق إلى البرلمان من الخلف قشلة عسكرية فرنسية.. اعتصمت قواتها خوفاً من الهياج الشعبي العارم فلم يكن هناك عسكري واحد في الطريق.‏

إلا أن بعض الضباط الذين كانوا يتوجهون إلى أعمالهم في سيارات تفضح نمراتها هوياتها.. تعرضوا لأخطار مفاجئة.‏

أخذ الطلاب يوقفون مثل هذه السيارات المشبوهة وينزلون ركابها ويسلمونها للنار.. ثلاث سيارات أحرقت واحدة أمام جنينة العائلات قريباً من البرلمان والثانية قريباً من عمارة كسم وقباني والثالثة على مدخل القشلة الفرنسية.. ما استنفر قوة من العسكر الفرنسي أفرادها من المستعمرات الإفريقية وضباطها فرنسيون خرجوا من القشلة بأرتال متراصة ليصدوا الطلبة المتظاهرين، واحترازاً من تهديدهم باقتحام القشلة.‏

خرج هؤلاء الجنود وهم مرتاعون فقد كان عددهم ليس بالكثير بالنسبة إلى أعداد المتظاهرين من الطلبة فانهمرت عليهم سيول الحجارة من كل صوب ولم يكن لديهم تروس تحميهم من الرجم.. إنهم يتقدمون نحو المتظاهرين وبنادقهم في أيديهم مصوبة إلى الأمام تلمع في مقدماتها سنكات فولاذية حادة تتهدد اللحم الحي.‏

وحين تجاذب الطرفان الموقع وتزايد عدد السيارات المحروقة التي لجأ أفرادها إلى القشلة وهدد المتظاهرون القشلة، أطلق العسكر الفرنسي الرصاص على المتظاهرين فسقط بعض منهم مضرجاً بدمه، على الرصيف وتفرق الجمع محتمين بالأزقة الجانبية المؤدية إلى المكان. لم أستطع المضي مع الطلبة الآخرين وساقاي لم يساعداني على الركض، وأدركني بعض أفراد العساكر وكنت في غاية الهلع من أن تصل سنكة من هذه السنكات إلى ظهري، فدخلت إلى عمارة كسم وقباني وطرقت باب شقة من الشقق لأحتمي بها.. وكم صعقت حينما انفتح الباب وخرج منه ضابط فرنسي, فأسلمت قدمي للريح، ولحسن الحظ أن الطريق إلى مدرسة الفرنسيسكان كان خالياً من العساكر الذين اتجهوا بكليتهم إلى البرلمان وأدركتني النجاة في هذا اليوم الصاخب.‏

توجه شطر من المتظاهرين صوب القصاع، وهم في طريقهم يطلبون من أصحاب المخازن والمعامل والحواصل أن تغلق أبوابها، وتشارك بعواطفها قوى المقاومة الوطنية. وكان معظمها يستجيب للدعوة, إن لم يكن عن اندفاع وطني فعن خوف من أن تصاب مصالحه بمكروه.‏

وحين وصل المتظاهرون أمام معمل البوظ، وطالبوا إدارته بإغلاق المعمل.. تلكأ موظفو المكتب، واستدعوا عاصم الإنجليزي الذي تعامل مع المتظاهرين بعجرفة وغباء، فرجموا المعمل بالحجارة، فتلفن عاصم إلى قوة الشرطة. وقامت مشادة حامية بين المتظاهرين والبوليس استخدموا فيها الرصاص الحي إرهاباً، إلا أن رصاصة طائشة أصابت عاصم فأردته قتيلاً على الفور وترملت سعاد باكراً.‏

في جوار شارع البرلمان، وسيارات الجيش الإنجليزي تستعرض قوتها في شوارع المدينة بمناسبة دخولها إلى دمشق، تعلقت بسيارة جيب، فرحب بي جندي إنكليزي. وأعطاني جندي آخر أظنه هندي "مطرة" جميلة ظلت مصدر اعتزازي وفخري بين الفتيان، لا سيما حينما كنا نصعد إلى جبل قاسيون. فالماء فيها يظل بارداً نظيفاً متألقاً لا سيما حينما ينعكس ضوء الشمس على زجاج المطرة الكريستالي اللؤلؤي المشرب بالزرقة. ومن حول المطرة ثوب صوفي خاكي، وللمطرة حمالة أضعها على كتفي متباهياً، لكنها تصل إلى ركبتي ما اضطرني أن أعقد الحمالة مقصراً طولها لتصل المطرة إلى خصري.‏

ما أشد اعتزازي بهذه المطرة حتى إنني أركنها جانب فراشي عند النوم، أعود إلى البيت مساء لقد عانيت يوماً حافلاً، لم أكن أقدر قيمة تطوراته البالغة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://bakar30.forumzen.com
 
المظاهرة والجنازة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
العلوم و الافادة في منتدى بوبكر س :: أدب وشعر :: الروايات-
انتقل الى: