العلوم و الافادة في منتدى بوبكر س
مرحبا بكم في منتدى العلم و المعرفة الذي هو منبع استفادة ونرجو التسجيل لتمنح لكم صلاحيات في هذا المنتدى للتعامل معكم.
نرجو التسجيل وسلام عليكم

العلوم و الافادة في منتدى بوبكر س

منتدى لكل الجزائريين و العرب ساهمو في تطوير المنتدى
 
الرئيسيةالتسجيلدخول













شاطر | 
 

 ~ يا فلاحين يا أهل البلد ~

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
متميز
مساعد المدير
مساعد المدير


عدد المساهمات : 957
تاريخ التسجيل : 06/01/2010
العمر : 24
الموقع : www.saksakil20@gmail.com

مُساهمةموضوع: ~ يا فلاحين يا أهل البلد ~   الأحد مارس 07, 2010 5:12 am

السلام عليكم

أخواني و أخواتي زوار و رواد و أعضاء و محبي منتدى الروايات ..

أسعد الله اوقاتكم بكل خير ..

في هذا الموضوع

الموضوع في الرد القادم

:

يا فلاحين يا أهل البلد

كان المختار لا يزال يشد أطراف قنبازه ويسوي عقاله وكوفيته وهو يقف أمام المرشح عبود النايف في مكتب المقاومة الشعبية، حيث يجلس خلف منضدة خشبية قديمة كادت أن تخفي وراءها جسده كاملاً لولا أن قام مرحباً......، وعلى أطراف سرير عسكري قديم يجلس العريف برهوم والعسكري سويلم يحدقان في وجه المختار، ويختلسان النظر إلى وجه المرشح عبود ينتظران ما الذي سيقوله الآن، حيث لفت نظرهما قبل قليل حديثه مع مركز القيادة عبر سماعه الهاتف اليدوي الذي يرتكز على طرف الطاولة.‏

وبعد صمت قصير... مشحون بالترقب... قال المرشح عبود:‏

يا مختار نريد أن نجتمع مع فلاحي القرية مساء اليوم وعليك إبلاغ الجميع فوراً...‏

حاول المختار مداراة ارتباكه... الفلاحون يا سيدي في حقولهم وعلى بيادرهم وفي حواكيرهم، ولا يعودون إلى بيوتهم إلا مع حلول الظلام...‏

أعرف ذلك تماماً... عليك إبلاغهم وانتهى الأمر.‏

بلع المختار ريقه، واستدار مسرعاً، وقبل أن يندفع خارجاً أردف المرشح عبود: أبلغهم أن يحضروا أسلحتهم معهم... لا تنسَ ذلك...‏

كان ظل المختار يلتصق به تماماً، وهو يخب بقنبازه كانساً خلفه الأزقة التي بدت نثاراً ناعماً من التراب الممزوج بروث الحيوانات، ومن تحت كوفيته تنز حبات العرق لامعة تحت أشعة الشمس اللاهبة التي قضمت ظلال الأشجار وأسوار البيوت الطينية العتيقة، وعلى منحنيات الأزقة بدت بعض الحيوانات الهزيلة وهي تحاول عنوة الالتصاق بما تبقى من ظلال البيوت.‏

وفي بطون الأشجار الساكنة حركات بطيئة لعصافير تنتظر رطوبة المساء، تتساقط على إثرها وريقات ذابلة لا تلبث أن تستقر على الأرض ثم تلحق قليلاً بأطراف قنباز المختار وتستلقي دون حراك تحت وهج الهاجرة.‏

وحين دلف المختار مسرعاً إلى مضافته التي ترتفع على صخور عملاقة امتدت أطرافها لتدخل الفضاء المفترج نحو طبرية...‏

تململ كلبه متباطئاً من تحت خابية الماء التي كان يلوذ برطوبتها... تمسح بأطراف قنبازه وأقعى قبالته لحظةً ثم عاد إلى مكانه وهو يحاول إغماض عينيه من جديد.‏

غمغم المختار وهو يعلق كوفيته وعقاله على مسمار خلف الباب الخشبي... وقبل أن يلقي بجسده فوق الفراش أرسل في طلب الحارس(أبو سويد).‏

ذلك الرجل الطويل النحيف الأسمر الذي بدت عروق عنقه وكأنها خارج جسده تماماً، وفور حضوره، شرح له مهمته مؤكداً على إبلاغ الجميع.‏

باشر أبو سويد مهمته على الفور.‏

انتفخت أوداجه، وجف لعابه على زوايا فمه، وهو يحاول المرة تلو الأخرى إيقاظ السكون الذي يلف القرية في مثل هذه الأوقات.‏

..... كان صوته يرتفع مبحوحاً مقطَّعاً....‏

يا فلاحين... يا أهل البلد...‏

يا فلاحين... يا أهل البلد...‏

اجتماع المقاومة الشعبية في مدرسة القرية مساء هذا اليوم...‏

وبعد أن يبتلع أنفاسه يتابع... وأسلحتكم معكم... ثم ينفخ من جديد في فم صفارته الصفراء التي تآكل فمها وذاب لونه عبر شفاهه التي أحرقتها نار التبغ الهيشي حتى صار لها لون السواد... ويتابع السير وهو يمر بأصابعه فوق أزرار سترته الإنكليزية الصفراء التي رقت في الكثير من جنباتها وانتشرت فيها الرقع في أكثر من مكان... نداء... وصافرة... ومحاولات متكررة لشد أطراف كوفيته نحو الأمام درءاً لوهج الهاجرة.‏

تفتح بعض النسوة نوافذ البيوت الخشبية الهرمة... تصمت صفارته قليلاً وتمتد إليه كؤوس الماء. وأكواب الشاي الغامقة... يبلع ريقه من جديد ثم يتابع:‏

يا فلاحين، يا أهل البلد...‏

ومع نهاية النداء يستدير مسرعاً لطرد الصبية الراكضين خلفه وهم يرددون النداء ذاته... يا فلاحين يا أهل البلد.‏

يشد بنود بسطاره التي ضاعت ألوانه بتقادم الزمن، ثم يتابع، فتردد الصخور صدى صفارته الممتلئة بقطرات اللعاب وحرارة اللهاث المتصل. وصدى صوته المبحوح بالشقاء وتعب السنين.‏

وبعد أن يطمئن تماماً إلى أن صوته وصل إلى كل البيوت، يخترق الحواكير والطرقات المتربة أحياناً والمحصاة أحياناً أخرى متجهاً إلى بيادر القرية حيث تبدو أكداس القش من بعيد خياماً صفراء من ذهب، أو أسنام جمال تعبر سراب السهول، وتبدو له الخيول الراكضة تحت سياط الصبية وهي تسحب نوارجها وكأنها في سباق لا ينتهي.‏

بينما يمسك الرجال شواعيبهم الخشبية والحديدية يسوّون أطراف بيادرهم، ويدفعون بأكوام القش تحت أسنان النوارج الخشنة، ... وفي العرائش يستظل كبار السن يستذكرون شبابهم وأيام شقائهم، ... وبعض النسوة اللاتي وصلن للتو وهنّ يحملن صرر الطعام وجرار الماء الصغيرة وأرغفة الخبز السمراء الطازجة.‏

وحين يدرك أنه اقترب، يرخي عنان صفارته من جديد، ويمتد النداء طويلاً طويلاً مقطَّعاً.... يا فلاحين يا أهل البلد....‏

ويستمر النداء إلى أن يصل ظلال العريشة الأولى فيلقي بجسده منهكاً وهو يمص شفتيه ثم يمسحها بأكمام سترته الصفراء المهترئة، ... يستل من جيبه علبة تبغه... يلف سيجارته وهو يواصل ابتلاع ريقه، وتجفيف اللعاب الأبيض المتراكم على زوايا فمه، بينما يواصل الفلاحون التفافهم حوله لاستطلاع الأمر.‏

قال أحدهم بعد أن ارتمى إلى جواره: دعك من سجيارتك، خذ هذه جاهزة... ثم أمسك بقداحته ذات الفتيل المبتل بالكاز، نفضها جانباً، دلكها بين يديه، وأطلق شرارها.‏

مجَّ أبو سويد سيجارته بعمق، رفع عقاله قليلاً، وحدق في الفضاء:‏

أمرني المختار أن أبلغكم حضور الاجتماع في مدرسة القرية، ولا تنسوا أن تجلبوا أسلحتكم... فقد يكون هناك تفتيش على نظافة البنادق كما هي العادة ... قال ذلك وهو يعبَّ نفسه الأخير وقد التصقت بقايا سيجارته بسواد شفتيه.‏

تناهض من جديد وهو يتلمس خيط صفارته الأسود الذي يشدها إلى عنقه متابعاً السير فوق ساقين متباعدتين إلى أطراف البيادر الأخرى.‏

قال عبد الرحيم الهايش وهو ينفض بقايا التبن من حذائه وقد بدت عليه علامات انفعال واضحة:‏

بعد أن انتهت حرب الإنقاذ ووُقعت الهدنة قلنا سنرتاح قليلاً من التعب ولعانة الوالدين، ولكن أين نحن من الراحة؟.‏

والله ما دام اليهود في فلسطين فلن نرتاح لحظة واحدة.‏

شد حزامه جيداً ثم اندفع مسرعاً ليغيب بين أكوام القش وهو يتمتم بكلمات غاضبة تناغمت مع حركة ساقيه الطويلتين.‏

استمرت صفارة الحارس أبو سويد في إطلاق صراخها وتراخت حركة الخيول إلى أن انعدمت تماماً في الكثير من الأحيان، وعلا الهرج وامتلأت العرائش بالفلاحين. وقد ازدحمت وجوههم بالكثير من الأسئلة والكثير من الترقب.‏

وما أن اقتربت الساعة المحددة حتى خلت البيادر والحقول والحواكير أو كادت إلا من الصبية والنساء، أو بعض الفلاحين الذين لم يصلهم النداء، أو بعض الشبان الذين أُرسلوا لإبلاغ آبائهم في الحقول البعيدة.‏

كانت رطوبة المساء قد بدأت بامتصاص حرارة النهار، وامتدت ظلال الأشجار والجدران رويداً رويداً نحو الشرق، وغرقت خيوط الشمس في بحيرة طبرية، بينما تكور قرصها خلف جبال فلسطين ناشراً حوله هالة حمراء كالدم،.... وبوابة المدرسة التي نسجت على قضبان خشبية متصالبة فُتحت على مصراعيها... وبدأت جماعات الفلاحين تنفر من الأزقة الضيقة، ومن خلف أشجار السرو التي تلتف سوراً حول باحة المدرسة وعلى أكتافهم أطلّت فوّهات بنادقهم لامعة تحت ذيول النهار، ومن حولهم تقفز بعض كلاب القرية مستنفرة تارة ومتمسحة بأذيال أصحابها تارة أخرى. وجماعات الصبية الذين بدؤوا يتقافزون خلف نوافذ المدرسة يستذكرون خيباتهم ومراراتهم أمام السبورات السوداء الملتصقة بجدران الصفوف، والتي تبدو الآن مقطَّعة عبر شبك النوافذ المهترئ.‏

كان أول الداخلين إلى المدرسة الحاج عواد الذي انحصرت مهمته منذ مطلع شبابه بصناعة المحاريث وتجهيزها في المواسم المحددة، حيث يمضي معظم أوقاته متوغلاً بين أشجار البلوط والملول التي تغطي سفوح الجبال ومنحدرات الأودية لاختيار أفضل الأغصان التي تصلح لمهنته... أسند ظهره للجدار، بعد أن أراح بندقيته فوق ركبتيه، وراح يلامس أجزاءها بأنامله الخشنة بينما طارت عيناه إلى جماعات الفلاحين وهم يدخلون المكان... بعضهم اجتاز بوابة المدرسة، وبعضهم جاء من اتجاهات أخرى بعد أن قفز فوق الأسلاك أو عبر تحتها في محاولة للوصول في الوقت المحدد، وشيئاً فشيئاً بدأت الدائرة بالاتساع وتلاصقت أكتاف الرجال حتى صاروا عقداً واحداً تزينه البنادق التي تلامست أعقابها في أكثر من مكان،... وكلما جاء قادم جديد اهتزت الأكتاف وتلاصقت أكثر، وامتزجت رائحة الأجساد.‏

فتضوعت بعبق البيادر والحقول، وتوحدت الأنفاس والمشاعر وطارت العيون في فضاء المساء تحمل أحلامها وتوجسها، وحين دخل وضاح الأعمى يدب على عصاه ضحك بعضهم، وارتفع اللغط لبرهة من الزمن، قام بعضهم ثم عادوا للجلوس وهم ينفضون التبن من ثنايا سراويلهم، ويسوون أمكنتهم جيداً يتقدمون حيناً، ويتأخرون أحياناً... يميلون يميناً أو شمالاً ويقذفون بعض الحصى الصغيرة جانباً... حتى استوت مقاعدهم وسط جلبة ما لبثت أن هدأت مع قدوم المرشح عبود ومن خلفه العريف برهوم، والعسكري سويلم، وبعض الرجال يحملون صناديق خشبية تفوح منها رائحة الرصاص، وقد علقت على أطرافها عيون الفلاحين وأسئلتهم.‏

وقف المرشح عبود وسط دائرة الرجال... أطرق قليلاً، مرَّ بيديه فوق حزامه الكتاني الأخضر، ولامس أطراف سترته الخاكية المنشاة، تناهض على كعبيه ثم غرق في الوجوه بعينين تطفحان بالمشاعر.‏

.... ارتكزت عيناه قليلاً على وجه وضاح الأعمى، ثم تابع متفحصاً الوجوه وقد علت وجهه ابتسامة وانفرد شارباه قليلاً.‏

أطلق صوته مرحباً... أحس لبرهة أن صوته لم يصل... أعاد العبارة ذاتها... وحين همَّ بالمتابعة قاطعه وصول حمدان الطافش الذي ترجل عن ظهر فرسه الشهباء المحجلة... شدها إلى جذع شجرة السرو المعمرة المحاذية لبوابة المدرسة، ثم دفع بطنه فوق ساقين عريضتين، وبدا ظله مكوراً وهو يحاول الدخول ضمن دائرة الرجال... فلم يجد له مكاناً، تنحى جانباً وجلس...‏

رمقه المرشح عبود بنظرة سريعة ثم قال: أين بندقيتك؟.‏

ابتسم حمدان ابتسامة واثقة...‏

سأحدثك فيما بعد يا سيدي.‏

طارت عينا المرشح عبود في الأفق الذي بدأ يتشح بندى المساء، وبدا كما لو أنه كظم في صدره مشاعر كثيرة ليس الآن وقتها. ثم واصل حديثه كما لو أنه بدأ للتو... أنتم أيها الأخوة، ستكونون رديفاً لجيشنا في حماية البلاد وعليكم سنعتمد في تنفيذ الكثير من المهام، ولا سيما الدوريات والكمائن المتقدمة، فأنتم من يعرف الأرض، مداخلها، ومخارجها، وصخورها، وأشجارها وناسها، وأنتم أصحاب المصلحة الحقيقية في حماية الأرض، ولا يحرث الأرض إلا عجولها كما يقال.‏

تنحنح بعضهم وهم يلتهمون أوداج حمدان الطافش المنتفخة، وعينيه الغائرتين في لحم رأسه المستدير. ثم أنصتوا من جديد للحديث عن السلاح وأهميته وأشياء أخرى لم يفهموها وإن كانوا قد أحسّوا بها من خلال عيني المرشح عبود المتوقدتين.‏

وفور الانتهاء من الحديث باشر العريف برهوم مهمته في تفحص السلاح وجاهزيته.‏

أمسك البندقية الأولى، حاول رفعها قليلاً، سحب مغلاقها سريعاً، أدار فوهة البندقية نحو الفضاء، صرَّ عينيه وأسلم الأخرى فوهة النور، ثم تمتم بكلمات متلاحقة... نظف السلاح أكثر، ... بندقيتك لم تشتم رائحة الزيت منذ زمن‏

حمل الأخرى واستدار نحو الفضاء... صرَّ عينيه وأسلم الأخرى فوهة الفضاء... ثم قال: أنت لا تستحق حمل السلاح... منذ متى لم تقم بمسح بندقيتك؟‍.‏

هذه بندقية يا أخي وليست عصا‍‍‍!!‏

ومع ارتفاع جلبة المغاليق وقرقعتها تصاعدت حركة الرجال وجلبتهم، بعضهم مدَّ رجله نحو الأمام، وبعضهم مال بعجيزته في محاولة لتسوية وضعه، وآخرون رفعوا بنادقهم في الفضاء في محاولة لمعرفة حالها قبل وصول العريف برهوم، وهمس بعضهم... الله يلعن الزمن الذي صار فيه برهوم يأمر وينهي.‏

وزمَّ البعض شفتيه امتعاضاً، بينما تابع برهوم مهمته في تفتيش السلاح وقد بدت عليه علامات تعب واضحة، لم يعد قادراً على رفع البندقية كما كان في بداية مهمته... علق عبد الرحيم الهايش قائلاً... أراهنكم أن بندقيتي أثقل وزناً من العريف برهوم حتى وهو يلبس طاقيته، ضحك بعضهم وبلع الآخرون ألسنتهم حين حدجهم المرشح عبود النايف بنظرة آمرة... وعلت قسمات برهوم علامات الغضب وهو يحاول عنوة سحب المغلاق الذي بين يديه... رفع البندقية قليلاً... شد المغلاق بكل ما يملك من قوة... ثم أعاد خفضها وأعاد شد المغلاق من جديد... فطفح وجهه بالحمرة... ثم حاول مرة أخرى...‏

بندقيتك صدئة وأنا أحلف أنها لم تذق طعم الزيت منذ استلامها واستمر في مهمته حتى آخر البنادق المتآخية في أحضان الرجال ثم عاد إلى مكانه بعد أن رمق حمدان الطافش بنظرة سريعة ومرّ بكمه فوق شاربيه.‏

وعلى الفور بدأ العسكري سويلم ومجموعة من الرجال بتوزيع أمشاط الرصاص الإضافية على الحضور،... كانت صفراء لامعة لها رائحتها الخاصة، ولصوت احتكاكها إيقاعه الخاص أيضاً. كانت عينا العريف برهوم تنتقلان شيئاً فشيئاً مع أمشاط الرصاص وهي تستقر في أحضان الفلاحين... يمرط شاربيه اللذين نفرا للتو وشكلا خطين متقابلين فوق شفة عريضة منتفخة.‏

ارتفع لغط الرجال وعلت همهماتهم، والتصقت بعض الأفواه بآذان جوارها لتفضي بأشياء كثيرة، تمنى المرشح عبود لو يعرفها أو يمسك بأطرافها.‏

قال بعضهم: نخشى أن نعود إلى أيام السخرة والبهدلة ولعانة الوالدين، وقال آخرون: كيف يمكن أن نعمل نهاراً ثم نحرس الحدود ليلاً؟.‏

ومنهم من قال: جيوش عربية طويلة عريضة هزمت، وبلع لسانه وسكت.‏

وقالوا أشياء كثيرة تتعلق بحمدان الطافش وأمثاله.‏

رفع المرشح عبود يده... أطرق قليلاً ثم قال:‏

يا إخوان، نحن هنا لنسمع كل الآراء، فمصيرنا واحد، وأوجاعنا واحدة، والأصوات الخافتة التي لم ترتفع قط، والهمس الذي لم يتجاوز أطراف الشفاه هما سبب بلائنا وخيباتنا. وبعد صمت قصير نهض محمود، الشاعر الشعبي الذي تعرفه القرية جيداً، وعليه تنعقد مجالس الفلاحين في مواسم الشتاء، وعلى لسانه تفيض الكثير من الحكايات التي يطربون لها، وهو ذاكرتهم التي لا تنسى شيئاً من أيامهم...‏

... اتكأ على بندقيته، سوى عقاله جيداً وأطلق لسانه:‏

سيدي، نحن معكم في كل ما سمعنا، ولكن هل تستطيع هذه البنادق أن تواجه العدوان؟.‏

فيما مضى جلبتم لنا البنادق الفرنسية القصيرة، لعلكم تعرفونها جيداً...‏

.... طلقة أو اثنتين وتكون الثالثة في حضن حاملها.‏

ثم البنادق البولونية الطويلة التي انفجر معظمها عند الطلقة الأولى، وها نحن الآن نمسك بالبنادق(36) الفرنسية الصنع ذات الطلقات الخمس... جميعنا يعرف أنها لا تصلح حتى للصيد، ثم رفع بندقيته، وشد مغلاقها بصعوبة بالغة،... نعم سيدي هذه بنادقكم.‏

أعتقد أنها ليست صالحة منذ الحرب العالمية، وأنتم تعرفون ذلك بلا شك... سامحني يا سيدي... هذا وجعنا ولا مفر من قول ما قلت.‏

ثم نهض أبو العبد وهو رجل ربع القامة، أسمر الوجه، له قدرة جسدية بادية التفّت أصابعه الغليظة حول بطن البندقية... صمت قليلاً... جاس بعينه وجوه الرجال...‏

سيدي قد أقول كلاماً يخيل للبعض أنه خارج عن موضوع الاجتماع ولكنه في صلبه كما أعتقد... بدا المرشح عبود وقد استنفرت حواسه جميعاً ثم أومأ برأسه...‏

توزيع الأراضي سيدي، هذا أمر يجب أن يؤخذ على محمل الجد، بعضنا لا يملك شيئاً حتى الآن، نحن نطالب بتعديل قانون الإصلاح الزراعي،... صحيح أن بعضنا قد استفاد من هذا القانون ولكن أراضي البيك مازالت واسعة، وهي تكفي للجميع...‏

تنحنح حمدان الطافش واحتقن وجهه رغم محاولاته إخفاء ذلك...‏

اسأل حمدان هذا الذي جاء بلا بندقية... اسأله كم من الدونمات يملك صاحبه البيك... قل يا حمدان... أنت وكيله منذ زمن...‏

قال ذلك وقد بدت عليه علامات هياج واضحة.‏

حاول العريف برهوم التدخل... أشار إليه بطرفة عين اختلسها من خلف المرشح عبود... عاود الكرة مرة أخرى... حاول أبو العبد أن يمسك هدوءه... ليس لدي أكثر من ذلك يا سيدي... هذا ما عندي... ومقاومة العدو لا تتم بالبنادق وحدها، ... وباختصار شديد، ... عندما تكون العرائش على بيادرنا بارتفاع واحد نكون جميعاً بخير، ثم جلس وقد حبس في صدره كلاماً كثيراً خشي عواقبه.‏

هبط الصمت، وتعلقت عيون الجميع على شفاه أبي العبد التي احتجزت خلفها كلاماً كثيراً، إلى أن بدأ وضاح الأعمى بالتململ... تناهض قليلاً، ثم هبط مكانه، ثم عاد للنهوض على عصاه من جديد، وقد بدا أن من بجواره يشدون أطراف قنبازه لمنعه من الحديث.‏

يا بني... أنت كما يبدو واحد من أبناء الفلاحين، هذا ما فهمته، من حديثك وهذا يعني أنك ستفهم ما نقول...‏

يجب أن نتعلم مما فات وإلا سنظل في المكان.‏

نحن في هذه القرية حاربنا كثيراً ولا زلنا... أيام الثورات في فلسطين، كل الثوار الذين تعرفونهم عبروا من هنا... أكلوا خبزنا، وشربوا ماءنا وركبوا بهائمنا وقاسمونا بيوتنا... نعم سيدي... كنا نحمل البنادق على ظهورنا، ونجتاز الطرقات الوعرة والأودية السحيقة إلى فلسطين، وكانت نساؤنا تخفي السلاح في حزم الحطب على ظهورهن إلى أن يصلن أطراف فلسطين... واستمر في حديثه إلى أن بدأ اللعاب يتطاير مع حركة لسانه وشفتيه واستقرت عيناه في فضاء المساء.‏

حاول المرشح عبود مداعبته... أنت الذي فعلت ذلك يا وضاح أم أهل القرية...؟ ارتفع صوت وضاح أكثر:‏

أنا وأهل القرية جميعاً..... تشهد علينا الجبال والصخور والأشجار والطرقات وحيوانات البر في كل الأودية.‏

وارتفعت عصاه في الفضاء لتحمل إصراره وتوقده وصدق انفعالاته.‏

أحس المرشح عبود أنه أمام موقف جدي تماماً لم يكن يتوقعه... تراجع إلى الخلف بخطوات متباطئة حتى التصق بالعريف برهوم الذي همس له:‏

سيدي هذا الرجل يعرف كل شيء... الطرقات والأودية والصخور والناس وتاريخهم وأبواب بيوتهم وأسماءهم، يسير في كل الأزقة دون أن يتعثر، وله حكايات كثيرة في الذهاب إلى فلسطين والعودة منها...‏

هزَّ المرشح عبود رأسه وتابع الاستماع.‏

وقبل أن ينفض الاجتماع ارتفعت أصوات كثيرة تطالب بتوزيع الأراضي وتحسين الأوضاع وتحديث السلاح...‏

وكان آخر المتحدثين شيخ القرية الذي انتهز فرصة الاجتماع لينبه الفلاحين إلى ضرورة دفع مستحقاته في نهاية الموسم مذكراً بأن ولده قد طرد في مرات سابقة عن الكثير من البيادر وعاد جرابه فارغاً...‏

قال المرشح عبود بعد أن شكر الجميع:‏

عبء ثقيل سنتحمله معاً... وكل ما سمعته الآن سيكون موضع الاهتمام قال ذلك وقد رق صوته. واشتعلت عواطفه على نحو أدخله قلوب الجميع.‏

انفض الفلاحون وعادت للطرقات جلبتها كما كانت، وامتلأت صدور الرجال بالاحتمالات القادمة، وقد أدركوا جميعاً أن مصائرهم ارتبطت بفوهات بنادقهم التي ترتفع على أكتافهم الآن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://bakar30.forumzen.com
 
~ يا فلاحين يا أهل البلد ~
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
العلوم و الافادة في منتدى بوبكر س :: أدب وشعر :: الروايات-
انتقل الى: